تأملات في قواعد العشق الاربعين (1) بقلم / سارة السهيل
تأملات في قواعد العشق الاربعين (1)
بقلم / سارة السهيل
قبل ان أشرع في قراءة الرواية ذائعة الصيت "
قواعد العشق الاربعين لمؤلفته التركية " إليف شافاق " كنت قد
عايشت تجارب عدد من صديقاتي اللواتي بلغن سن الاربعين، ولمحت في حياتهن تغيرات
جذرية في نظرتهن للحياة ولانفسهن، حيث صرن اكثر يقظة لاحتياجاتهن النفسية
والانسانية والروحية التي غفلن عنها في رحلة الحياة، وبدين وكأنهن يبحثن عن لحظة
ميلاد جديد اما باستشعار الحاجة للحب او التأمل او التحقق في الحياة .
هذه الدوافع والحاجات في نفس المرأة الاربعينية كما
لمستها في تجارب المقربين مني، تخالف مفردات الثقافة السائدة ونظرتها لهذه السن
بانه سن اليأس وتوقف الحلم وانحصار الآمال، واذا بتجاربهن تثبت انه سن الحلم
والحب والانتصار والسعادة !
وما ان انتهيت من قراءة رواية " قواعد العشق
الاربعين" حتي رسمت أبيات جلال الدين الرومي بصماتها علي الاحداث
والاجواء الانسانية والتاريخية والعاطفية بقوله : اختر الحب، الحب فمن دون
حياة الحب العذبة تمسي الحياة عبئا ثقيلا كما تري " .
استعدت لأول وهلة تجارب صديقاتي، والتي تكاد تتشابه
وتتقاطع مع بطلة الرواية " ايلا " المرأة الزوجة المحافظة علي زوجها رغم
علمها بنزواته المتكررة، وابنائها الثلاثة تتفاني في رعايتهم وسط حياة راكدة
لا يغير من تكرار نمطيتها الا لحظة تعرف فيها ان ابنتها تعشق شابا يتقدم
للزواج بها، فتنتفض الام مستنكرة هذا الحب الذي لم تعرفه في حياتها !
وهنا تلجأ لمؤلف رواية " الكفر الحلو "
عزيز الذي لم تلتقيه يوما، ولكنها تكتب قراءة نقدية لاحدي المجلات عن
روايته، في محاولة منها لاستعادة ابنتها، وهنا تنشأ علاقة عشق لم تكن يدر بخلدها .
فالحب يداهمنا في أي وقت وأي عمر من حيث لم نكن نحتسب،
بل هو جزء من اقدرانا ؟ ، فاستيقاظ (ايلا ) صباح عيد ميلادها وسط مخاوفها من سن
الاربعين جلعها تساءل نفسها هل الطريقة التي عاشت بها حياتها هي الطريقة التي تريد
الاستمرار بها وهي في ازمة منتصف العمر؟
وأرسلت السؤال نفسه لعزيز في رسالة اليكترونية، ليطمئن
قلبها بأن الاربعين تعكس لدي المتصوفة الترقي واليقظة الروحية، وان ميلاد
طفل يستغرق اربعين يوما حتى يتهيئ لبدء الحياة الارض، وعندما نحب ننتظر اربعين
يوما حتي نتأكد من حقيقة مشاعرنا .
وهكذا بدأت العلاقة تمضي علي طريق صداقة انسانية تلتمس
فيه المرأة سندا روحيا يخرجها من ظلمة نفس بشرية مغلقة بمسئولياتها الدنيوية الي
الروح المليئة بالكنوز والمواهب التي لم يكتشفها احد بعد عندما يتوهج فؤادها بقيمة
الصداقة والحب الذي يحررها .
الحب يجمع المتناقضين والمختلفين تماما بلا أي شبه
بينهما، كما هو الحال بين ايلا الزوجة العقلانية التي تميل للاستقرار وتخشي
المغامرة، وتكره المتدينون لانهم يمارسون الغطرسة والتعصب، بينما يقف عزيز
المصورالمحترف والذي يسافر لانحاء الكرة الارضية لاماكن الصراعات الحروب، و الملحد
الذي شاءت الاقدار ان يتحول للتصوف بعشقه للدرويش شمس التبريزي ومولانا جلال الدين الرومي ويصبح متدينا
روحيا بجدية.
قد نندهش من هذه التحولات الكبري في حياتنا ب سن
الاربعين والمتناقضات التي قد تقتحم حياتنا، لكن شمس التبريزي حل هذا اللغز بقوله : "فكل حب وصداقة
حقيقيين هما قصة تحوّل غير متوقع، ولو بقينا ذات الشخص قبل أن نحب وبعده، فهذا
يعني أن حبنا لم يكن كافيًا" .
في النهاية، فان الحب هو التحرر من ربقة اوثان نفسية
فكرية واجتماعية نعيشها، فعندما أحبت "ايلا " تحررت وصارت تري عيبوها
دون خجل، وطرحت علي نفسها سؤال من قواعد العشق الاربعين " هل أنا مستعد
لتغيير نفسي من الداخل ؟" واختارت لنفسها حياة جديدة مع عشيقها عزيز في
رحلة التصوف حتي الموت بعد ان آمنت بقاعدة التبريزي " لا قيمة للحياة من دون
عشق، لا تسال نفسك ما نوع العشق الذي تريده روحي أم مادي، الهي ام دنيوي.
تعليقات
إرسال تعليق