الحب يعــــــترض اللذات بالألـــم
بقلم / سارة السهيل
في فطرة كل انسان منا رغبة جامحة للحب والتحباب، فهي سنة كونية، حتي اننا نجد اطفال الروضة بناتا وأولادا يتحابون، فالطفلة اسراء الصغيرة ابنة الخمسة اعوام تنتظر قدوم محمد حبيبها صديقها المفضل وهو في مثل عمرها حتي يأتي من منزله ليجلس الي جوارها في الحضانة وتسارع لاهدائه الحلوي والشيكولاته وتمنحه ألعابها المفضلة .
لكن، لماذا اختارت هذه الطفلة محمد لكي تبادله مشاعر الالفة والتحنان الطفولي البرئ دون غيره من زملائها؟ ولماذا يتعكر صفاؤها عندما يغيب وتسأل فتعرف انه مريض، وما الذي ينتاب هذه الطفلة البريئة من مشاعر عندما يعود محمد معافي من مرضه فيشرق في قلبها نور خالد من الرضا والسعادة؟!
ولا اجابة دقيقة سوي الظن بأن ارواحهما قد تعارفت في زمن غيبيي لا نعرفه، فلما كان اللقاء في الزمن الارضي الراهن كان الحب والالفة قائمين علي ارض خصبة .
أظن ان كل واحد منا كبيرا او صغيرا عاش او يتمني ان يعيش هذه اللحظات، التي عاشها هذين الطفلين، ولا غرابة فاننا عندما نحب نتحول بالفعل الي اطفال صغار نلهو ونفرح ونحلق بأحلامنا الوردية في سماء صافية من السعادة كما الحمام يغازل معشوقته ويطير ورائها في جنبات السماء بعثا لسعادتهما في ذوبان كلاهما في الاخر تحقيقا لذاتهما في انصهار أبدي خالد .
فالحب نظرة تسرقنا يبحث فيها المحب عن نفسه الحقيقية التي قد يجدها في الاخر، وما ان تستقر النظرة من العين للقلب يكون سهم كيوبيد قد نفذ ولا ملامة، ان يشتعل الفؤاد بالخفقان انتظارا لرؤية الحبيب فينطفئ لهيب القلب ويرتوي، كما السواقي تدور لينساب الماء ويجري في الجداول ويروي الارض العطشانة .
مشاعر السعادة التي يشعر المحبين كنز ثمين، ما ان نجده نحارب من أجل الحفاظ عليه، وهذا الكنز من المشاعر تعجز ابداعات الشعراء في التعبير عنه بدقة، ولا تسطيع حكمة فلاسفة العالم في كل الأزمنة ان تفسره، فهو حالة نورانية روحية تشعرنا وكأننا نعيش في روضات الجنات تهبنا أريجها وتسكرنا بمائها وكأننا في حلم بديع لا نريد ان نفيق منه حتي لا نفترق بعد التلاقي .
فاللذة الروحية والوجدانية بين العشاق والمتحابين لا تعادلها أية لذة اخري، ولكن عادة ما تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن، فسرعان ما تمتزج لذة الحب بالآلام من جراء عوامل عديدة وترتطم سفنيته بأمراض الغيرة او الشك او الهجران، وربما الانانية، فيعاني العشاق آلام الفراق والبعاد بعد الوصل التداني، وهنا لا يستطيع العاشق ان يتخلي عن حبه كنزه ، لكنه يتجرع مرارات الفقد احيانا، وعذابات الشوق المحرق للحبيب البعيد عنه، ويكتسي فؤاده لهيب الانتظار حتي يحن القدر مجددا ويسمح بالتلاقي بعد التجافي .
فمشاعر الحب تسكن في مهجة المحب، وتغزو روحه، وتمتزج بدمه، وعندما يغيب الحبيب عن العين يجافيها النوم والروح تحتار والفؤاد يسقم، ولا طبيب يداوي الا طبيب الهوي كما قال الامام البوصيري في بردته التي يعبر فيها عن امتزاج لذة الحب بالالم :
نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقني والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالأَلَمِ
يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَة ً منِّي إليكَ ولو أنصفتَ لم تلُمِ
ياساكنين قلبي لاعدمت لكم معني لطيفا سس معناه ضمن دمي
فيا رفارف روحي في معارجها بذكركم يداوي بالهوي سقمي
تعليقات
إرسال تعليق