الرسائل انتقلت من سخونة الوجدان والأدب الى كلمنى.... شكرا!!

 الرسائل انتقلت من سخونة الوجدان والأدب ال
كلمنى.... شكرا!!
هذا الفن العريق ظل مزدهرا عبر العصور ووسيلة للتواصل بين الشعوب حتى تقلص فى ظل الثورة التكنولوجية والإتصالات الى كلمتين كلمنى.... شكرا !.أصبحنا نعيش فى فترة قولبة الكلمات وتنميطها ،وأصبحت المشاعر سلعة قابلة للتداول على نطاق جماهيرى واسع  الرسائل سحر الكلمة وعمق العاطفة ، والكلمات تأتي  مفاجئة بجرأتها المتوارية خلف طرافة اللفظ وابتذال المعنى ، ساخنة سخونة الحديد والبلاستيك لا سخونة الوجدان والأدب .
 لقد ساهمت وسائل الاتصال الحديثة في انحسار المراسلات، واختزلتها في شفرات ورموز لا تمس الوجدان والمشاعر بل تؤدي منفعة وغرضا محددا فحسب. والرسالة وحدها لا تستطيع التواصل مع القارئ .لذا يصبح من العسير على البعض فهم  الرسالة دون سرد الأحداث التي تكون مبررلكتابة الرسالة.
استخدم الإنسان الأول وسيلته الأولى للتعبير وهي الرسم للتخاطب مع أهله ،دون أن يدرك بأنه سيترك أثراً فنياً ، ينقل من خلاله رسالة إلى الأجيال التالية ، تكون بمثابة تحفة فنية تؤرخ عصره قد لا تقدر بثمن . ومن البديهي آلا يفكرهذا الإنسان بالناحية الجمالية أوالفنية في هذه الوسيلة الجديدة التي اكتشفها للتخاطب مع الغيرإلا متأخراً. وبأن الإتقان في تصويرأعماله ما هي إلا نتيجة لمهارة اكتسبها مع الوقت.وكما كانت وسيلة الإنسان الأول للتخاطب مع الغير عبرالرسم وقد حكمتها الفطرة... كانت رسائل الأنبياء يحكمها الوحي والفطنة فقد ولد فن  الرسائل  مع ميلاد الرسالة النبوية فأقيم له فى عهد النبى أول ديوان وعين الرسول فيها كتابا ومترجمين للتخاطب باللغات العربية والفارسية والرومية والقبطية والحبشية والسريانية والعبرية ومنهم زيد بن ثابت الذى تعلم اللغة السريانية فى 17 ليلة.
وأرسي النبي (ص) كثيرا من قواعد هذا الفن وانتشرت رسائله من خلال سفرائه أومبعوثيه وكان لكثيرمن هذه الرسائل فعل السحر لدي بعض من أرسلت إليه كالنجاشي وقيصر كما كانت سببا في عداء شديد وخصومه لدي آخرين وأشهرهم كسري فارس واتسمت الرسائل النبوية بسمو بيانها وبلاغتها وبالتكثيف والدقة في التعبيرواختيارالمفردات وبالحسم وأحيانا التهديد المعلن أوالخفي وكأنها تدخل إلي نفس المتلقي وعقله من كل الأبواب  وقد كانت الرسائل مباشرة وصريحة وموجزة خالية من الحشو، بعيدة عن التكلف تحقيقا لعالمية الإسلام . صيغت كتب رسول الله "ص" بمنتهى الحكمة والبراعة فالرسول يخاطب الملوك والرؤساء بألقابهم ويعترف بمكانتهم ويقررأن سلطانهم في ظل الإسلام باق لهم ، كان "ص" يخاطب كل ملك حسب ظروفه ، فإن كان من أهل الكتاب أشار إلى ما بين الأديان السماوية من روابط ، وإذا كان من غيرهم أشار إلى التزام البشرية بالعودة إلى الله وترك عبادة ما سواه .
ومن نماذج هذه الرسائل ما بعثه النبي "ص" مع عبدالله بن حذافة إلي كسري يقول: "من محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي كسري عظيم فارس  سلام علي من اتبع الهدي وآمن بالله ورسوله وأدعوك بدعاية الله عز وجل . فإني رسول الله إلي الناس كلهم لأنذر من كان حيا ويحق القول علي الكافرين . أسلم تسلم فإن توليت فعليك إثم المجوس" .
ورسالة النبي إلي النجاشي قال "من محمد رسول الله إلي النجاشي ملك الحبشة أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هوالملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسي بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلي مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسي فخلقه من روحه ونفخه كما نفخ آدم بيده واني ادعوك إلي الله وحده لا شريك له والموالاة علي طاعته وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله واني ادعوك وجنودك إلي الله تعالي وقد بلغت ونصحت فأقبلوا نصيحتي" هكذا كانت تتم رسائل محمد عليه الصلاة والسلام إلى ملوك وأباطرة عصره ، والتي دعاهم فيها إلى الإسلام .
صارت المكاتبات والرسائل فن مهما مع  اتساع أركان الدولة العربية الإسلاميةً صبغت بفصاحة وبلاغة لسان العرب الذي اشتهروا به ، وهم أمة اللغة والشعرومعجزة القرآن الكريم ، وقد جمعت بين اللين والحزم والشدة والرحمة وفيها الكثير من النصح، ولم تخلو قط من الشعر.كمكاتبات الخلفاء المسلمين لأمراء الأقاليم وقادة الجند والأئمة والقضاة وعامة الشعب أوالتي كان يكاتب بها الخلفاء ملوك وأباطرة عصرهم ، بها يعقدون الاتفاقيات والمعاهدات . فكان لا بد من تأسيس دواوين خاصة لهذه المراسلات ، وتعيين كتاب مهرة لها وعرف هذا النوع من الرسائل برسائل الدواوين
هكذا بدا فن الرسالة  سلاحا في يد المسلمين ثم تعددت أغراضه من الدعوة إلي الوصف والمدح والهجاء وادارة شئون الدولة . اختلفت  موضوعات الرسائل من بين رسائل الاتجاه السياسي، ثم رسائل الاتجاه الاجتماعي، ورسائل الجهاد والصراع مع الصليبيين، والرسائل الدينية، ورسائل المفاضلات والمفاخرات، ثم الرسائل الديوانية، والرسائل العلمية وأخيراً الرسائل الإخوانية وتعرف برسائل الأشواق وهي ما دارت بين الأقارب والأصدقاء، وتتفرد هذه الرسائل بأن يطلق الكاتب فيها العنان للأقلام ويتجافى عن الكلفة والرسائل الإخوانية يكتبها الأدباء في شتى المناسبات كمقامات بديع الزمان الهمذاني، وكان أحد روادها، وقد ترك لنا تراثاً غزيراً من الرسائل في مختلف الموضوعات ليكون بذلك أول رائد لفن المقالة .
أما الرسائل العلمية وهي المقالات التي يكتبها العلماء في شتى الميادين العلمية (علوم الأحياء، طب، فلك، رياضيات) أوالفلسفية والروحية (العلوم الفلسفية والدينية) . ويسلك فيها الكاتب  مناهج البحث والتدقيق وذكر المراجع، ويسترسل فيها بالشرح ويستخدم المخاطبة البليغة.
وقد أدت الرسائل مهمتها خيرأداء ولم يبق شأن من شئون الحياة لم تتعرض له الرسائل التي اتسعت دائرة كتابها ولم تقتصرعلي الأدباء فقط لكن ما بقي منها وخلد هوما أنجزه الأدباء ومنها قديما: "رسائل الجاحظ"
 لقدأدي فن الرسائل دوراعظيما في الكفاح واحياء أمل الاستقلال علي يد مصطفي كامل الذي أرسل مجموعة كبيرة من الرسائل من فرنسا أثناء إقامته هناك داعيا لإنقاذ مصرمن براثن الاحتلال أرسلها إلي صديقه في الكفاح والصمود "فؤاد سليم حجازي وكذلك نجيب محفوظ فقد جمعت بعض رسائله في كتاب بعنوان "نجيب محفوظ.. رسائله بين فلسفة الوجود ودراما الشخصية" وأخص هذه الرسائل ما بعث به يحيي حقي إلي ابنته "نهي" وجمعته بعنوان "رسائل يحيي حقي إلي ابنته"
هل كان لهؤلاء الرموز الفكرية والسياسية من كتابنا وأدباؤنا على مدى التاريخ أن يرسل الرسالة عبر الأثير المحمول مختصرة فى كلمتين خير له من أن يمسك بالقلم وينحنى على الورق ويعصر الذهن وينصرف الى الهيام والتحليق لساعات ليكتب رسالة ؟! لا أعتقد.
         


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكون يزهر حبا ووجدا واملا مع نسمات الربيع

مرآة سنووايت - مقال للكاتبة سارة السهيل

تأملات في قواعد العشق الاربعين (1) بقلم / سارة السهيل